واصف جوهرية
144
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
نزل الركب عن طريق عقبة جبر لأنها أقرب من طريق النبي موسى ولسوء الحظ وكانت العصيرة تغير الجو فأرعدت وأبرقت فأمطرت مطرا شديدا وذقنا فيه الموت خصوصا النساء والصغار همي الوحيد المحافظة على العود الذي أحمله وغطيته بالمشمع . وصلنا عند الغروب بعد ما تحسن الطقس واتفقنا على إيجار فندق ( الجلجال ) من أبو نمر الشمالي وصاحبه أي صاحب الفندق عريقات آنذاك . هذا الفندق هو المقابل الآن إلى دير اللاتين من الجهة الشرقية وقد بيع من عائلة عريقات إلى دير الروم وضم إلى أراضي الدير والكنيسة الملاصقة له الآن . وبعد ما تعبئت غرف هذا الفندق القليلة العدد من بعض الأشخاص اضطررنا على النوم على فراش في إيوان الفندق الفسيح ونحن نبلغ ربما ستون شخصا فتأمل يا أخي كيف كانت تلك الليلة والواحد ينام بجانب الآخر من العائلات على طول وعرض الإيوان . ابتدأنا بالسهرة وانتصب الكاس والطاس وجلست بجانب متري المنى ( أبو قسطة ) وبجانبي عيسى الصوص على الدربكة ومتري الزاير على الفلوت فألفنا فرقة خاصة وبدأنا بالأغاني ولا تسأل عن صوت المرحوم أبو قسطة العالي خصوصا في الغناء البلدي والمواويل ، وكان جميع الحضور يرددوا ترديدات الطقاطيق من الأغاني الشعبية الجميلة الدارجة في ذلك العهد وأصبح كل منا على جانب عظيم من الحظ والكيف والسرور وفي هذه السهرة أذكر أنني بدأت لأول مرة فشربت كاسين من العرق بالقوة من يد العم الياس القزاز ، وقد زارنا في أول سهرة المرحوم رشيد عريقات وكان رجل وقور وسيفه على جنبه ومعه العم أبو نمر الشمالي وأبو جميلة الشمالي أي بعد منتصف الليل ثم بدأت النساء بفرش الفرشات وكان منظرا جميلا وبعد ما أخذ كل منا مكانه وفي ثياب النوم وطفينا لامبات الكاز إلا واحدا صغيرا جلست في الفرشة ومسكت العود الذي كان فوق رأسي على الأرض الخشبية وبدأت بالعزف ولما كان الرجال وأكثرهم سكارى رجعنا وبلشنا بالغناء إلى مطلع الفجر . والجدير بالذكر بأنه نظرا لشدة الأمطار بصورة فظيعة لم نتمكن من السفر إلى نهر الأردن خصوصا من رداءة الطريق في ذلك الزمن بجوار النهر وبقينا على هذا الحال مدة ثلاثة أيام في الفندق . بعد ما تحسن الطقس نوعا قدم لي العم أبو نمر الذي جن جنونه عندما سمعني أغني وأعزف على العود قدم لي غصنا كبيرا من البرتقال قطعة واحدة من بستانه هدية منه إلى والدي صديقه الحميم فرجعنا بذات الصورة التي كنا نزلنا فيها إلى أريحا ، وهكذا كانت زيارتي لأريحا لأول مرة ولكن لم أرى في هذه الرحلة سوى الفندق والعائلات التي معنا ثلاثة أيام .